عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

149

اللباب في علوم الكتاب

وصنف انتهكوا الحرمة فلما أبوا قبول النصح قال الناهون : واللّه لا ننساكم فقسموا القرية بجدار ، ومكثوا على ذلك سنين ، فلعنهم داود - عليه الصلاة والسلام - وغضب اللّه عز وجل عليهم لإصرارهم على المعصية ، فخرج النّاهون ذات يوم من بابهم ، والمجرمون لم يفتحوا بابهم ، ولم يخرج منهم أحد فلما أبطئوا تسوّروا عليهم الحائط ، فإذا هم جميعا قردة خاسئين . فإن قيل : إذا كانوا قد نهوا عن الاصطياد يوم السّبت ، فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السّبت دون سائر الأيام ؟ فالجواب : أما على مذهب أهل السّنة فإرادة الإضلال جائزة من اللّه تعالى . وأما على مذهب المعتزلة ، فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب . و « قِرَدَةً خاسِئِينَ » يجوز فيه أربعة أوجه : أحدها : أن يكونا خبرين ، قال الزّمخشري : « أي : كونوا جامعين بين القرديّة والخسوء » . وهذا التقدير منه بناء على أن الخبر لا يتعدّد ، فلذلك قدرهما بمعنى خبر واحد من باب : « هذا حلو حامض » وقد تقدّم القول فيه . والثّاني : أن يكون « خاسئين » نعتا ل « قردة » قاله أبو البقاء . وفيه نظر من حيث إنّ القردة غير عقلاء ، وهذا جمع العقلاء . فإن قيل : المخاطبون عقلاء ؟ فالجواب : أنّ ذلك لا يفيد ؛ لأن التقدير عندكم حينئذ : كونوا مثل قردة من صفتهم الخسوء ، ولا تعلّق للمخاطبين بذلك ، إلا أنه يمكن أن يقال : إنهم مشبّهون بالعقلاء كقوله : لِي ساجِدِينَ [ يوسف : 4 ] و أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . والثالث : أن يكون حالا من اسم « كونوا » ، والعامل فيه « كونوا » ، وهذا عند من يجيز ل « كان » أن تعمل في الظروف [ والأحوال ] « 1 » وفيه خلاف سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى عند قوله : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً [ يونس : 2 ] . الرابع : وهو الأجود أن يكون حالا من الضمير المستكنّ في « قردة » ؛ لأنه في معنى المشتق أي : كونوا ممسوخين في هذه الحال . وجمع « فعل » على « فعلة » قليل لا ينقاس . ومادة « القرد » تدلّ على اللّصوق والسكون ، تقول : قرد بمكان كذا : أي : لصق به وسكن ، ومنه : الصّوف « القرد » أي : المتداخل ، ومنه أيضا : « القراد » هذا الحيوان المعروف ويقال : « خسأته فخسا ، فالمتعدي والقاصر سواء نحو : زاد وغاض وقيل : خسأته فخسىء وانخسأ ، والمصدر « الخسوء » و « الخسء » .

--> ( 1 ) سقط في ب .